عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

44

الكهف والرقيم في شرح بسم الله الرحمن الرحيم ( ويليه مراتب الوجود وحقيقة كل موجود ونسيم السحر )

الربوبية ، فلو خاطبه في تجلي الرحمانية أو تجلي الألوهية أو الوحدانية لما كان يقع المنع أبدا ؛ لأن الرحمانية لها الوجود الساري وهي عين كل امرئ ، والألوهية لها الجمع فهي شيء وعين كل الأشياء ، والواحدية كذلك ، لكن لما خاطبه في تجلي الربوبية بقوله : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قيل له : لن تراني ، لأن الربوبية من شأنها التقديس والتعالي والتنزيه عن لحوق هذه الأشياء بها ، فطلب العبد من ربه رؤيته سوء أدب منه بالنظر إلى محل العبودية والربوبية لا بالنظر إلى موسى عليه الصلاة والسلام ، فإنه أكمل الأدباء لكنها حضرة اقتضت أمور هذه الشؤون وجرى بها القدر على حسب الإرادة الإلهية . فافهم . ولهذا لما تجلى سبحانه وتعالى على الجبل بصفة الربوبية تدكدك الجبل وخرّ موسى صعقا ، أي فانيا فلو تجلى عليه بصفة الرحمانية لأبقاه به ولم يتأثر الجبل . فافهم واللّه تعالى أعلم . المرتبة السابعة المالكية من مراتب الوجود هي المالكية وهي حضرة نفوذ الأمر والنهي ، لأن الملك حاكم على ملكه ، لا يستطيع من في مملكته أن يرد أمره أو نهيه ، ومن هذا التجلي قوله تعالى للشيء : كُنْ فَيَكُونُ [ البقرة : 117 ] ، لأن المملوك طوع مالكه ، والفرق بيّن ، فأمره الوارد من حضرة الربوبية فيه نوع من التربية ، ولهذا جاء على أيدي الواسطة التي هي عبارة عن الرسل صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ، فأمكن العبد فيه المخالفة والطاعة بخلاف الأمر الوارد من الحضرة الملكية ، فإنه لا يمكن فيه المخالفة البتة ؛ فلا تقول لشيء كن كذا إلا كان على ذلك الوصف ، ولهذا كان الأمر بغير واسطة لأن أمره نافذ على كل مأمور ، ومن هذه الحضرة تأخذ الأسماء والصفات المؤثرة في الأكوان آثارها ، فهي السيدة على الأسماء والصفات ، فأول ما أخذت منها الصفات النفسية حقها . المرتبة الثامنة الأسماء والصفات النفسية من مراتب الوجود هي الأسماء والصفات النفسية ، وهي على الحقيقة أربعة لا يتعين لمخلوق كمال الذات إلا بها ، وهي : الحياة ، لأن كل ذات لا حياة لها ناقصة